عماد الدين خليل
19
دراسة في السيرة
ونولدكه « 1 » وسخاو « 2 » الذي يؤكد « أن الرسالة الإلهية ليست مقصورة على العرب ، بل إن إرادة اللّه تشمل جميع المخلوقات ، ومعنى ذلك خضوع الإنسانية كلها خضوعا مطلقا . وقد كان لمحمد بوصفه رسولا من اللّه ، حق المطالبة بهذه الطاعة ، وقد كان عليه أن يطالب بها ، وهذا ما ظهر من أول الأمر جزء لا ينفصل من جملة ما أراد تحقيقه من مبادئ . . . » « 3 » . ويرفض أرنولد الخطأ الآخر الذي يرى أن محمدا قد تحوّل إلى القوة بمجرد أن واتته الظروف ، وهو رأي قد صرّح به - نقلا عن فلهاوزن - بعض الباحثين ولا سيما ميور عندما تحدث عن مذبحة بني قريظة فقال « إن الدعائم التي سار عليها محمد قدما كانت سياسية محضة ، إذ أنه لم يكن قد أقر حتى ذلك الحين طريقة إكراه الناس على اعتناق الإسلام أو معاقبتهم على رفضه . . » « 4 » . . إذ يقول أرنولد « إنما المهم أن نتبين كيف أن محمدا ، عندما رأى أنه على رأس جماعة مسلّحة من أتباعه لم يتحوّل دفعه واحدة ، كما قد يريدنا البعض على الاعتقاد ، من داعية مسالم إلى متعصّب يحمل سيفه بيده ويفرض دينه على كل من استطاع ، وقد أكّد الكتّاب الأوروبيون على ذلك مرارا » « 5 » . إلا أن أرنولد لم ينج من الوقوع في الخطأ نفسه عندما يقول « كانت رغبة محمد ترمي إلى تأسيس دين جديد ، وقد نجح في هذا السبيل ، ولكنه في الوقت نفسه أقام نظاما سياسيا له صفة جديدة متميزة تميزا تاما . وكانت رغبته بادىء الأمر مقصورة على توجيه بني وطنه إلى الاعتقاد بوحدانية اللّه » « 6 » . غير أن أسوأ نموذج يمكن أن نجده لهذه الانحراف المنهجي ، حول مسألة تأثر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالظروف الراهنة ، وتحركه وفق مستلزماتها ، ما ذكره بندلي جوزي ، أحد رواد التفسير المادّي للتاريخ الإسلامي ، في كتابه ( من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام ) حيث يقول « إن سياسة النبي مع المكيين قد تغيّرت كثيرا في المدينة تحت تأثير عوامل جديدة ولأسباب عديدة أوجدتها الظروف وأدى إليها الاختيار وحب النبي لوطنه الأصلي وأهله وذويه إلى غير ذلك من
--> ( 1 ) عن المصدر السابق ، نفس الصفحة والهامش . . WZKM , vol . XXi , pp . 307 - 308 ( 2 ) عن المصدر السابق ، نفس الصفحة والهامش . ( 3 ) أرنولد : الدعوة ، هامش 1 ص 48 . ( 4 ) المصدر السابق ، هامش 1 ص 54 . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 53 - 54 . ( 6 ) المصدر السابق ، ص 52 .